المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان

96

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله

الأعراض مخصوصة والحركة والسكون وما شاكلها من أفعال الجوارح وأفعال القلوب ، والباري تعالى خلق الأجسام والأعراض الضرورية . فأي مشابه بين الخلق والمخلوق بهذا القدر ، وكذلك فإنّا قد أثبتنا الواحد منّا حيا ، والباري سبحانه الحي القيوم ، فلم يقع تشبيه لما كان الباري تعالى حيا لذاته ، والواحد منّا حيا بحياة محدثة وليس الضد يصير مشركا بقول ضده : إنك مشرك ، ولا مشبها بقول خصمه : أنت مشبه ، وإنما يكون ذلك إذا قامت دلالة صحيحة ، لأن الخوارج قد قالت لعلي بن أبي طالب عليه السلام : أنت كافر وكانت أولى بالكفر منه ، وقال تعالى : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [ الأحزاب : 69 ] . وأما قوله تعالى : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : 165 ] فذلك حق لأن القوة في الأصل على وجهين : أحدهما : القدرة . والثاني : الآلة . قال تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال : 60 ] [ والآلة هي القوة ] والسلاح ، ويقول قائلهم : ما لي قوة على هذا أي : قدرة ، فإذا عرفت ذلك علمت أن القوة للّه جميعا ، لأنه خالق الآلة والقدرة ، لا يقدر على ذلك غيره سبحانه ، فالقوة للّه جميعا ، وقوله تعالى : إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [ القصص : 26 ] المراد بالقوي : القادر ومعنى الأمين ظاهر . وأما قوله تعالى : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] وصدق اللّه العظيم وأي ضعف أعظم من حاله عند خلقه لا يجلب إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ، فلما كان كذلك لطف له بالوالدة وعطفها عليه بالرحمة فمهّد له بعضها ، وخلق له الغذاء في بعضها ، وألهمه تناوله ، وألهمها تربيته ، حتى ملك رشده ،